أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
419
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثالث : أنه « قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ » ، ولا بد من تقدير العائد أيضا أي : قالوا لهم كذا ، و « فِيمَ » خبر « كُنْتُمْ » ، وهي « ما » الاستفهامية حذفت ألفها حين جرّت ، وقد تقدّم تحقيق ذلك عند قوله : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ « 1 » الجملة من قوله : « فِيمَ كُنْتُمْ » في محل نصب بالقول . و « فِي الْأَرْضِ » متعلق ب « مُسْتَضْعَفِينَ » ، ولا يجوز أن يكون « فِي الْأَرْضِ » هو الخبر ، و « مُسْتَضْعَفِينَ » حالا ، كما يجوز ذلك في نحو : « كان زيد قائما في الدار » لعدم الفائدة في هذا الخبر . قوله : فَتُهاجِرُوا منصوب في جواب الاستفهام ، وقد تقدّم تحقيق ذلك . وقال أبو البقاء : « أَ لَمْ تَكُنْ » استفهام بمعنى التوبيخ ، « فَتُهاجِرُوا » منصوب على جواب الاستفهام ، لأنّ النفي صار إثباتا بالاستفهام » . انتهى . قوله : « لأنّ النفي » إلى آخره لا يظهر تعليلا لقوله « منصوب على جواب الاستفهام » لأن ذلك لا يصحّ ، وكذا لا يصحّ جعله علة لقوله « بمعنى التوبيخ » . و « ساءَتْ » : قد تقدم القول في « ساء » « 2 » ، وأنها تجري مجرى « بئس » فيشترط في فاعلها ما يشترط في فاعل تيك . و « مَصِيراً » تمييز . قوله تعالى : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ : في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنه متصل ، والمستثنى منه قوله : « فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ » . والضمير يعود على المتوفّين ظالمي أنفسهم ، قال هذا القائل : كأنه قيل : فأولئك في جهنم إلا المستضعفين ، فعلى هذا يكون استثناء متصلا . والثاني : وهو الصحيح - أنه منقطع ؛ لأن الضمير في « مَأْواهُمْ » عائد على قوله : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ » ، وهؤلاء المتوفّون : إمّا كفار أو عصاة بالتخلف ، على ما قال المفسرون ، وهم قادرون على الهجرة فلم يندرج فيهم المستضعفون فكان منقطعا . و « مِنَ الرِّجالِ » حال من المستضعفين ، أو من الضمير المستتر فيهم ، فيتعلّق بمحذوف . قوله : لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في هذه الجملة أربعة أوجه : أحدها : أنها مستأنفة جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ما وجه استضعافهم ؟ فقيل : كذا . والثاني : أنها حال . قال أبو البقاء : « حال مبيّنة عن معنى الاستضعاف » قلت : كأنه يشير إلى المعنى الذي قدّمته في كونها جوابا لسؤال مقدر . والثالث : أنها مفسرة لنفس المستضعفين ؛ لأنّ وجوه الاستضعاف كثيرة فبيّن بأحد محتملاته كأنه قيل : إلا الذين استضعفوا بسبب عجزهم عن كذا وكذا . والرابع : أنها صفة للمستضعفين أو للرجال ومن بعدهم ، ذكره الزمخشري ، واعتذر عن وصف ما عرّف بالألف واللام بالجمل التي في حكم النكرات بأن المعرّف بهما لما لم يكن معيّنا جاز ذلك فيه كقوله : 1649 - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني * . . . « 3 » وقد قدّمت تقرير المسألة مرارا .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 91 ) . ( 2 ) انظر الكلام عليها في سورة النساء ، الآية ( 22 ) . ( 3 ) تقدم .